يرى الكاتب مصطفى بيومي أن فوز عبد الرحمن السيد بمقعد في مجلس الشيوخ الأمريكي ينبغي أن يشكل جرس إنذار للحزب الديمقراطي، إذ يكشف مجددًا اهتمام الناخبين الديمقراطيين بقضية غزة، وتزايد الترابط بين المطالب الفلسطينية بالحرية ونظيرتها الأمريكية، فضلًا عن تراجع تأثير حملات التشويه والاتهامات القديمة التي تستهدف الفلسطينيين ومناصريهم. ويؤكد بيومي أن حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أقر بأن دعم إسرائيل بات يشكل عبئًا سياسيًا متزايدًا في الولايات المتحدة، متسائلًا عما إذا كان زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر وبقية قيادات الحزب سيصغون إلى هذه الرسالة.
وفي مقال رأي نشرته صحيفة «الجارديان»، يحذر بيومي من مواجهة وشيكة بين قيادات الحزب الديمقراطي التقليدية والأعضاء التقدميين الجدد، بسبب التباين الحاد في مواقفهم من إسرائيل. ويرى أن نتائج الانتخابات الأخيرة تعكس تحولًا في المزاج السياسي الأمريكي، وأن تجاهل مطالب الناخبين بشأن فلسطين قد يضع مستقبل الحزب ومصداقيته على المحك.
فوز عبدول السيد يكشف تراجع تأثير حملات التشويه
خاض عبد الرحمن السيد حملة انتخابية صعبة ومنضبطة، ركزت على القضايا التي تهم سكان ولاية ميشيجان، واتخذت من شعار «أخرجوا المال من السياسة، وأعيدوا المال إلى جيوبكم، والرعاية الصحية للجميع» محورًا رئيسيًا لها. لكن المرشح واجه منذ البداية هجمات عنصرية ومعادية للإسلام، وصفها الكاتب بأنها من الأسوأ التي شهدتها الولايات المتحدة خلال سنوات، وجاءت إلى حد كبير بسبب دعمه الصريح للفلسطينيين.
وخلال الأشهر الأخيرة، دأب ترامب على وصف السيد بأنه جهادي ومتعاطف مع الإرهابيين، وسخر من اسمه أو أشار إليه باسمه الأوسط «محمد». ورد السيد عليه قائلًا: «سأكون السيناتور محمد بالنسبة إليك يا أخي».
وخلال المناظرة التلفزيونية الأخيرة بين مرشحي مجلس الشيوخ في ميشيجان، وجه الجمهوري مايك روجرز إلى السيد سؤالًا قال فيه: «هل أنت مع أمريكا أم مع هذه الجماعات الإرهابية في الخارج؟».
ووصف السيد السؤال بأنه «مخزٍ»، ثم رد قائلًا: «أنا فخور بدستورنا الذي يضمن لنا جميعًا الحق في الصلاة بالطريقة التي نختارها». لكن الإعلانات التلفزيونية التي بثها روجرز ضده كانت، بحسب الكاتب، أكثر سوءًا.
وأنفقت الجهات المناهضة للسيد أكثر من 150 مليون دولار، وفقًا لمنظمة «أوبن سيكريتس» غير الحزبية، التي تتابع الإنفاق السياسي في الولايات المتحدة. ووقفت جماعات مؤيدة لإسرائيل، من بينها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية «أيباك»، وراء جزء كبير من هذا الإنفاق.
وفي أغسطس، تردد أن روجرز طلب من «أيباك» عدم شراء إعلانات دعائية لصالحه، ثم أعلنت المنظمة في أكتوبر أنها لن تقدم تأييدات انتخابية أو تمول حملات المرشحين بعد الآن. ويرى الكاتب أن «أيباك» والسياسيين المؤيدين لإسرائيل باتوا يدركون التأثير السلبي المتزايد لاسم المنظمة على الحملات الانتخابية، لكن ذلك لا يعني انسحابها من السياسة، بل إعادة تقديم نفسها عبر قنوات أخرى.
ووفقًا لموقع «ذا إنترسبت»، تواصل جماعات الضغط توجيه أموالها إلى السباقات الانتخابية من خلال وسائل مختلفة، من بينها لجنة العمل السياسي الكبرى التابعة لها «مشروع الديمقراطية المتحدة»، التي قدمت مبالغ كبيرة لمعارضة السيد.
انقسام ديمقراطي بين القيادات التقليدية والجيل التقدمي
يشير بيومي إلى أن من بين أكبر المستفيدين من أموال «أيباك» على مدى سنوات حكيم جيفريز، الذي يُرجح أن يصبح أول رئيس أسود لمجلس النواب الأمريكي في تاريخ البلاد. ولا يزال كثيرون يتذكرون وصف المذيع الإذاعي شارلاماني ذا جود له ساخرًا بأنه «أيباك شاكور».
كما سبق أن قال تشاك شومر، الذي يتولى قيادة الأغلبية المقبلة في مجلس الشيوخ، خلال حديث مع صحيفة «نيويورك تايمز» العام الماضي: «وظيفتي هي إبقاء الجناح اليساري مؤيدًا لإسرائيل».
ويتساءل الكاتب عما إذا كانت مواجهة سياسية وشيكة داخل الحزب الديمقراطي، في ظل التناقض الواضح بين مواقف الحرس القديم المؤيدة لإسرائيل وقيم الأعضاء الجدد. ولا يقتصر الأمر على السيناتور المنتخب حديثًا عن ميشيجان، بل يشمل عددًا من السياسيين التقدميين الذين فازوا في الانتخابات وأعلنوا دعمهم للفلسطينيين.
ومن بين هؤلاء آدم حموي، الطبيب الذي شارك في بعثة طبية إلى غزة عام 2024 وفاز في انتخابات ولاية نيوجيرسي، وداريا ليزا أفيلا شوفالييه، طالبة الدكتوراه من نيويورك والناشطة في الأوساط الجامعية دعمًا للحقوق الفلسطينية، وراندي فيليجاس من كاليفورنيا، الذي وصف العمليات الإسرائيلية في غزة بأنها إبادة جماعية ورفض تلقي أموال من الشركات أو الجماعات المؤيدة لإسرائيل.
كما فازت أبر قواس، لتصبح أول فلسطينية أمريكية تصل إلى مجلس شيوخ ولاية نيويورك، إلى جانب مرشحين آخرين على مستويات انتخابية مختلفة.
ويؤكد بيومي أن القضية الفلسطينية تكتسب أهمية متزايدة لأن الأمريكيين باتوا أكثر انتقادًا لإسرائيل وسياساتها، رغم استمرار الحكومة الأمريكية في الاصطفاف معها. ووفقًا لمركز «بيو» للأبحاث، يحمل ستة من كل عشرة أمريكيين نظرة سلبية تجاه إسرائيل، وترتفع النسبة بين الديمقراطيين إلى ثمانية من كل عشرة.
ويضيف أن الدعم الأمريكي لإسرائيل لا يؤثر في السياسة الخارجية فحسب، بل يواصل إرباك الحياة السياسية الأمريكية وتشويهها، وهو ما بدأ بعض الجمهوريين أنفسهم يدركونه.
غزة تعيد تشكيل الحسابات السياسية الأمريكية
يدرك نائب الرئيس الأمريكي جيه دي فانس هذه التحولات؛ إذ كتب عبر وسائل التواصل الاجتماعي أن «السبب الحقيقي لخسارتنا، نحن الجمهوريين، هو الحرب» في إيران، وهي الحرب التي بدأت ونُفذت بالشراكة مع إسرائيل.
كما يبدو ترامب مستعدًا لتخفيف الارتباط العلني بين إسرائيل وإدارته. فقبل الانتخابات مباشرة، أعلن عزمه وقف المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل بحلول نهاية العام، قائلًا: «كنا نقدم لهم 4 مليارات دولار، لكن هذه المساعدات ستتوقف في نهاية العام».
ورغم تأكيد خبراء أن مثل هذه الخطوات لن تغير طبيعة العلاقات العسكرية المتشابكة بعمق بين البلدين، فإن ترامب أصر على الإعلان عنها. وعندما سُئل عن السبب، قال: «لماذا نتحمل الهجمات من أشخاص مجانين مثل السيد، بينما هم ليسوا بحاجة إلى ذلك؟ إنها نقطة حديث سيئة».
ويرى بيومي أن موقف ترامب يعكس تحولًا في طريقة تعامله مع الدعم الأمريكي لإسرائيل؛ إذ بات ينظر إليه باعتباره عبئًا على الصورة السياسية لإدارته، لا باعتباره مرتبطًا بالسياسات الإسرائيلية المدمرة واللاإنسانية.
أما الديمقراطيون، فيرى الكاتب أن عليهم مسؤولية أكبر، تتمثل في الاستماع إلى ناخبيهم، وفهم الأسباب التي دفعتهم إلى انتخابهم، واتخاذ موقف مبدئي واضح.
ومع تحكم الكونجرس في الإنفاق الحكومي، سيحظى الديمقراطيون قريبًا بدور بالغ الأهمية في تحديد مصير الأموال الأمريكية الموجهة إلى إسرائيل. وكان السيد قد أكد خلال خطاب فوزه، مساء الثلاثاء، وسط تصفيق حار من الحاضرين: «لا نريد أن تُرسل أموالنا لتمويل الفصل العنصري أو الإبادة الجماعية أو الحرب».
ويختتم الكاتب مقاله بالتشديد على أن قيادات الحزب الديمقراطي، وفي مقدمتها حكيم جيفريز وتشاك شومر، مطالبة بالإنصات جيدًا إلى هذه الرسالة، قبل أن تتسع الفجوة بينها وبين القاعدة الانتخابية التي أوصلتها إلى السلطة.
https://www.theguardian.com/commentisfree/2026/nov/06/us-midterms-democratic-party-israel-support

